02 - 06 - 2026

ماهر البطُّوطيّ النَّبيل السَّامِي | عن عملاق لا "يعانق غير الغمام" وتنساه بلاده

ماهر البطُّوطيّ النَّبيل السَّامِي | عن عملاق لا

نُبلَاءُ مِصْرَ المنسيُّونَ كثيرُونَ... ومُعظُمهُم جَدِيرُونَ بإعادَةِ الحقّ إليهِم منَ العِرفَانِ والمدارَسَةِ والتَّكريم

بعدَ نشاطِ وسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيّ في مِصرَ سنةَ 2006م حدثتْ ثورةٌ مُذهلةٌ؛ إذْ تمكنَّا منَ الاقترابِ من عوالمَ كنَّا نَظنُّها عوالمَ سِحريَّةً أُسطوريَّةً لأشخاصٍ جاءَتْ من عوالمَ ملَائكيَّةٍ خالصَةٍ لتبُثَّ نُورَها على الكَونِ دونَ أَنْ يَستطيعَ النَّاظِرُ الوصولَ إلى مَصدرِ ذلك النُّورِ المنبعِثِ، كما لم تَحرِصْ هيَ على ذلكَ...!

من هؤلاءِ النُّبلَاءِ الملائكيّينَ ماهر البطُّوطيّ الذي شَغفَتني كتبهُ المؤلَّفةُ والمترجمةُ ورواياتهُ ومقالاتُهُ وأَبحاثهُ، وإخلَاصُهُ للحَرفِ، كأنَّهُ أحدُ الحرفيّينَ المحترفينَ في سُوق الذَّهَبِ، أو فنَّاني الأرابيسكِ، و ناقِشي الكتابةِ الدَّقيقةِ، أو الرَّسَّامِينَ على المعادنِ، ولا أعني عنايتَهُ بالشَّكلِ بالطَّبعِ؛ فهُو قادرٌ على أنْ يبتَكِرَ أشكالَهُ الفنّيَّةَ المناسبةَ لإبداعاتهِ بخبراتِهِ العَميقَةِ باتجاهاتِ النَّقدِ الأدبيّ والثَّقافيّ والفنّيّ ومدارسهِ وفلسفتهِ، وإنَّما أعني دقَّتَهُ في الجوهرِ، وفنّ التَّفاصيلِ التي تُبقِي آياتِ تفرُّدهِ محفورةً قرُونًا عدَّةً، يزيدُها الزَّمنُ نفاسَةً وقيمةً؛ كما سيأتي بيانُهُ...!

علَّقْتُ على أحَدِ منشُوراتهِ مُلقّبًا إيَّاهُ بالدُّكتور، حينَ وجدْتُ صُورتَهُ على فيسبوك، واسمهُ مكتُوبًا باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ التي تخصَّصَ فيها، وتمهَّر في لُغَاتٍ أُخرى غيرِها، وصارَ مع لِدَتِهِ ماهر شَفيق فريد، وأضرابهِ؛ كزهير الشَّايب، ومحمَّد عناني، وعبدالغفَّار مكَّاويّ، ورمسيس عوض، في عالم سِحريّ يتلألأُ، ويزدادُ بريقًا معَ الزَّمَنِ...!

ردَّ على تعليقِي بجُملةٍ خبريَّةٍ رَصينةٍ ممتلئةٍ بالكبرياءِ وزُهدِ المتحقّقِ: لَسْتُ دكتورًا، وأَعتذرُ للدّكاترةِ، ولكنَّها صِفةٌ ليسَتْ حقّي، وإنْ كانتْ تُلاحقني، فلنْ أقبلَها دُون وَجهِ حقٍّ...!

أربكتنِي هذهِ الجملةُ وتنازعتنِي بينَ مزيدٍ منَ التَّقديرِ، وكثيرٍ من التَّساؤُلاتِ، فقدْ أضافَ الأُستاذُ إلى شِيَمهِ شِيمةَ التَّواضُعِ التي حُرِمناها ممَّنْ لم يقدِّمُوا مِعْشَارَ عَطائهِ، وتنبثقُ التَّساؤلاتُ من تَساؤُلٍ ساذجٍ يمثّلُ المرحلةَ والسِّياقَ: كيفَ لمنْ تتبَّع مخطوطاتِ الرِّوايةِ الأُمّ" ألف ليلةٍ وليلة"، وترجماتِها، وتأثيراتِها، ومصادِرِها في الآدابِ العالميَّةِ؛ مكتوبةً ومرئيَّة، ألَّا يكونَ دكتورًا؟!

 وظلَّتْ حيرتي ورَبْكتي حتَّى أجابَني ساردُ رِوايتهِ "الفُتُوحات الباريسيَّة" إجابةً مُضمرةً مُوجِعةً:" أصبحَ أَمَلُ كلّ شابٍّ تخرَّجَ في الجامعةِ، هو الحصُولُ على الماجستيرِ ثمَّ الدكتوراه. لم يكُنْ يَهمُّ إذا كانَ الشَّخصُ مُؤهَّلًا لاستِكمالِ دِراستِهِ العُلْيا أَمْ لا، أو صالحًا للسَّيرِ على طريقِ البَحثِ أَمْ لا؟ ولكنَّ المهِمَّ هو المركزُ الاجتماعيُّ الذي يُصَاحِبُ لَقبَ دكتور. وإذا بالجميعِ يلتحِقُونَ بالكليَّاتِ لإِكمالِ دراساتِهم، وإذا بهذَا المجالِ يرى أُناسًا لايَعْرفونَ أساسيَّاتِ البحثِ العلميّ الحقيقيّ، وإذا بنا نرى رسائلَ وأبحاثًا لا تمتُّ للمجالِ العلميّ بِصِلَةٍ، بل هيَ قُشُورٌ سَطحيَّةٌ وتجميعاتٌ وسَرِقَاتٌ من هُنا ومن هُناك تلصقُ بعضها ببعضٍ على هيئةِ رسالةٍ، وما هيَ بالرّسالةِ في شيءٍ"...!

 وإنْ كان يُعبّرُ السَّاردُ عن فترةِ السَّبْعينيَّاتِ منَ القرنِ الماضي؛ فما بالُنا بالعُقودِ الثَّلاثةِ الأُولى منَ القَرنِ الحالي؟!

ويمكنُنا استشعارُ المفارقةِ الممِضَّةِ بما كشفَ عنهُ الإحصاءُ الأخيرُ سنة 2026م لحملةِ الماجستير والدكتوراه، ولعلَّ فيه ما كانَ يَخشاهُ السَّاردُ ويَستشرفُهُ؛  إذْ جَعلَ بَطَلَ رِوايتهِ مُصَابًا بالبُحرانِ ليُمكّنَهُ منَ اختراقِ الحواجزِ الزّمانيَّةِ؛ فَينتقِلُ بنا من الحاضِرِ إلى الماضِي والمستقبلِ بحريَّةٍ لا تعرفُ للزَّمنِ حُدُودًا فاصلةً، بل أَحداثًا مُترابطةً، ومُتكرَّرةً، كأنَّها عُروضٌ مسرحيَّة يتغَيَّرُ فيها الأبطالُ والحِوارُ، وتظلُّ الأحداُث في سَيرِها وصَيرُورِتها لمنْ يتأمَّلُ مَنطقَها...!

مِنَ الرِّوَايةِ الأُمّ إلى الرِّوَايةِ المعرفيَّةِ:

 وبعدَ مرورِ عقدينِ من الزَّمنِ، قرَأْتُ رِوايتَهُ المعرفيَّةَ النَّادرة "الفتوحات الباريسيَّة" التي يَعِزُّ نَظِيرُها في الأدبِ العربّي"؛ فاقتربتُ من رُوحهِ أكثرَ؛ إنَّه رُوحُ فنَّانٍ مخلصٍ، وَهَبَ نفسَهُ لمحبَّةِ الفنُونِ والآدابِ والقيمِ الإنسانيَّة في أعلى صُورِها بعيدًا عن أدلجةٍ تسلبُهُ ذرَّةً منْ شَفافيَّتهِ، أو تَعصُّبٍ، أو اِضطِرارٍ، أو ما يُلْجئُهُ إلى ما لا يُحبُّ؛ فكما شملَتْ رِوايتُهُ مزيجًا من الفنِّ والأدَبِ والتَّاريخِ، والسِّياسةِ، وعاداتِ الشُّعوبِ، وطبائعِ النُّفوسِ الإنسانيَّةِ، جاءتْ ترجماتُهُ لأشعارِ لُورْكَا، ونصوصِ رامون سندر، وبلدوميرو، وروبين داريو، وجوستاڤو  أدولڤو، ووالت ويتمان، وبابلو نيرُودا، وقصصٍ ورواياتٍ لچيمس چُويس، وهِمنجواي، وأمثالهم ليعكِسَ محبّتهُ للفنّ الإنسانيّ الذي يَمسُّ الجوهْرَ لا الشَّكلَ، والإنسانيَّة في لُبّها لا في بيئاتِها، ولُغاتها، ودِياناتها، وأَعراقِها، وفِئاتها، وإن لم يَغِبْ عنهُ التَّنافذُ الثقافيُّ والحضاريُّ والتَّناسلُ النَّوعيُّ والجنسيُّ للفنُونِ والآدابِ. يؤهِّلهُ لذلكَ كلِّهِ تكوينٌ فنّيّ نادرٌ، يَسبرُ بهِ خُطوطَ اللَّوحاتِ الفنيَّةِ لعُظَماءِ الرَّسَّامينَ العالميّينَ، و آيات نوابغِ الموسيقيّينَ والسِّينمائيّينَ في فرنسا وهولندا وألمانيا والولايات المتَّحِدة الأمريكيَّة وغيرها من بُلدانِ العالمِ...!

استنطاقُ الصَّمتِ:

 هذه الدّرايةُ الواسِعَةُ للبطُّوطيّ بدُرُوبِ السَّردِ والنَّقْدِ بأنواعِهِ وَرَاءَها مَوهبةٌ تجاوزَتِ النَّاطِقَ المكتُوبَ إلى الصَّامتِ السَّاكنِ، فاستنطَقَ لحظَاتِ الصَّمتِ والسُّكونِ في المشاهِدِ والصُّورِ والقِصَصِ والشِّعرِ واللَّوحاتِ؛ كما يَستنطِقُ المخرِجُ القديرُ الإضاءَةَ، والملابسَ، والأثاثَ، والأزياءَ؛ ليستنطِقَ ما لم يَبُحْ بهِ النَّصُّ مكتوبًا ومنطُوقًا...!

وفي رِوايتِهِ:" الفتُوحاتِ الباريسيَّةِ" المنشورة في دار العين بالقاهرة 2017م يحملُ بطلَاها: مُحبٌّ، وسامحٌ (ولاحظِ الاسمينِ) كثيرًا من خِصَالهِ التي وزَّعها عليهما من ناحيَةٍ، وعلى أَبناءِ جيلهِ، من ناحيةٍ أُخرى ممَّنْ لفَحتْهم نِيرانُ الهزيمةِ في 5 يونيو  ١٩67م وما أَمِلُوهُ بعدَ انتصار أكتوبر  العظيم ١٩٧٣م في ظلَّ هواجِسَ مُلحَّةٍ أن تتحطَّمَ آمالُهُم،  وتتَكّرَّرَ خيبتُهم بعد ثورة يوليو المجيدة ١٩٥٢م،  إِثرَ ما أَصَابَها من عللٍ، وأمراضٍ  على عكس ما  أملَهُالجسدُ المصريُّ فيها منَ الصِّحَّةِ والعافيةِ، والسَّعادةِ الأبديَّةِ...!

ومع كلّ هذا الزَّخم السِّياسيّ الذي يَتسلَّلُ عبرَ الأحداثِ التي  توجّهُ الشَّخصيَّاتِ، وتصنعُ انفعالاتِ حاضرها، ومؤشّراتِ مُستقبلِها، يؤكّدُ البطُّوطيُّ أنَّهُ لا يتَعمَّدُ ذِكرَ وقائعِ سياسيَّةٍ، ولا يُحبُّ أن تكونَ رِوايتهُ ذاتَ طابعٍ سياسيّ، أو  تاريخيّ، أو أيديولوجيّ مهما كانَ، بل يحرصُ أن تكونَ روايةً إنسانيَّةً فحسبُ.

ومن ثمَّ؛ فقد نحت نزعةُ البطُّوطيّ نحوَ قيمِ الحريَّةِ الفرديَّةِ والجماعيَّةِ؛ ممَّا جعلَ رِوَايتَهُ صالحةً للتَّرجمةِ لكُلّ لُغاتِ العالمِ لكونِ أزمتِها هي أزمَةَ الإِنسانِ الفردِ في مُواجهَةِ مُواضَعَاتِ الجماعةِ، وصِراعِ الجماعَةِ ذاتها مع نَفسِها ومع الجماعاتِ الأُخرى...!

ولتوضيح القضيَّةِ من خلال أحداثِ الرّوايةِ نتأمَّلُ  هذه المُقارنةَ بينَ موقفِ البطلِ" مُحبّ"  الذي آمن بحقّهِ الأصيل في أن تكونَ له علاقةٌ كاملةٌ مع  صديقتِهِ الفرنسيَّةِ "شانتال"، واستنكرَ في الوقتِ ذاتهِ أن تُبديَ خطيبتُهُ "سهير" مجرَّدَ إعجابٍ بأستاذِها ومشرفِ رسالتيها للماجستير والدّكتوراه البروفيسور "عزيز"،  كما يتجلَّى صراعُ الجماعةِ من خلالِ مقارنَةِ سرَدهِ عن فرنسا مَهزُومةً ومُنتصِرةً، ومُستَعْمِرةً ومُستعمَرَةً، ومواقفِها المتناقِضَةِ إزاءَ القَضيَّةِ الواحدةِ؛ كقضيَّةِ الآثارِ التي سُلبَتْ منها وحَرَصَتْ على استِرجاعِها، و موقفها من آثارِنا المصريَّة التي ما زالتْ تزيّن مَيَادينَها ومَتاحفَها، مع وجودِ عَلَاقاتٍ متينةٍ من الصَّداقةِ والاتفاقيَّاتِ الدَّوليَّةِ...!

ومعَ كلَّ ما سبق؛ فلم يُصَبْ بطلَاهُ: محبٌّ وسامحٌ بشِيفونيَّةٍ تَعزلُهُما عن الواقعِ، بل يسألُ مُحبٌّ صَديقَهُ سامحًا: "لماذا لم تُصبحْ مِصْرُ بلَدِي كمثلِ فرنْسا، وقد كانا مُتشابهينِ في العِشرينيَّاتِ والثَّلاثينيَّاتِ؟!"

ولعلَّ في إجابة هذا السُّؤالِ رؤى كثيرةً في رؤية الأنا لنفسها في مرآةِ الآخر، وموقفها ممَّا آلت إليه قياسًا بهِ...!

عُزلةُ البطَلِ:

في روايتهِ التي سبقتها :"عُزلَة النّسْرِ" المنشورة في هيئة الكتاب 1994م، نقفُ أمام الطَّبعَةِ الثَّانيةِ المنشورة في دار ميريت 2003م، وبخاصَّةٍ المقدّمةُ الفريدةُ التي كتبها نِدُّهُ ولِدَتُهُ العبقريُّ ماهر شفيق فريد؛ إذ لم تحجبْهُ المعاصرةُ، كما لم تمنعهُ الزَّمالةُ والصَّداقةُ من أنْ يلفتَ النَّظرَ إلى مواقع اختلافِهِما؛ ممَّا يحملُنا على الثِّقَة فيما يذكرُ من مواضِعِ فرادة البطّوطيّ، وتُميّزهُ مؤلِّفًا ومترجمًا وناقدًا لما سبرَهُ من المناهجِ النَّقديَّ، وما ترجمَهُ لكبارِ نقَّادِها، وبخاصَّةٍ ترجمتهُ كتابَ: "الفنّ الرِّوائيّ" لديفيد لودچ" المطبوع في المشروع القوميّ للتَّرجمةِ بالمجلسِ الأعلى للثَّقافة 2002مِ؛ ممَّا جعلهُ في منزلةٍ رفيعةِ المستوَى على صَعِيدي: الكتابةِ الوصفيَّةِ والإنشائِيَّةِ...!

والفضَاءُ المكانيُّ للرّوايتينِ مختلفٌ كلَّ الاختلافِ ، ففي حين تدورُ أحداثُ  رِوايتِهِ :"عُزلَة النّسْرِ"  في مِصرَ تدورُ أحداثُ روايةِ" الفُتُوحات الباريسيَّة" في باريسَ؛ كما هو واضحٌ من عُنوانها، وفي حِرصهِ على ألَّا يتَجاوزَ هذا العَقْدَ السَّرديَّ في عتبةِ العُنوانِ.

وقد يتقاطَعُ الفَضَاءُ الزَّمانيّ لأحدَاثهِما، ولكنَّنا نَجدُ أنفُسَنَا أَمامَ صَنادِيقَ سِحريَّةٍ متداخلةٍ لكاتبٍ مُحترفٍ، صقلَتْهُ رِحْلتُهُ الطَّويلةُ في ترجمةِ سُرودِ عباقرةِ السَّردِ العالميّينَ؛ فَعَرفَ جيّدًا متَى يَفتحُ هذا الصُّندوقَ ليُخرِجَ لنا ما يُبهرُنَا، ويَنتقِلُ إلى غَيرهِ على أنْ نظلَّ نحنُ مُعلَّقينَ بكلِّ ما تُخبئُهُ الصَّناديقُ الأُخْرى...!

ويترككُ البطُّوطِيُّ مع أبطَالهِ في سَردِ محطّاتٍ أنتَ شَريكٌ فيها بالمواطنةِ والمعايشَةِ والإنسانيَّة، ويتَرككُ تَصِلُ بنفْسِكَ للأسبابِ التي آلتِ إليها الأمورُ، ولترسمَ بنفسكَ ما يمكن أن تؤولَ إليه في مستقبلها؛ إذ يتركُ الحريَّةَ، أيضًا، لحركةِ الزّمنِ في السَّردِ ...!

وفي الحقيقةِ، إنَّنا مقصِّرون كلَّ التَّقصير في الاحتِفاءِ بهذهِ القامَةِ الفكريَّةِ والأدبيَّةِ والفنيَّةِ والنَّقديَّةِ التي لم تَنَلْ منها غُربتُها، ولم نَشعرْ لحظةً واحدةً أنَّها تؤولُ إلى اغترابٍ...!

والبطوطيُّ، حين يخاطبنا من أمريكا والشَّواطئ الأخرى، لا نَستشعِرُ من نَبرتهِ نُبوًّا ولا هُجنةً ولا استِعلَاءً أو شعورًا بالغُبنِ، ولكنَّنا نَسمَعُ صَوتًا هادئًا مُتواضعًا بَسيطًا محلّقًا كأنَّهُ يُخاطُبنا منْ  مدينتهِ، ومدينتي، طنطا بمحافظة الغربيَّةِ التي وُلد بها في الثَّالث من نوفمبر سنة ١٩٤٠م،ثمَّ حصل على ليسانس الآداب  في قسم اللغة الإنجليزيَّة بكليَّة الآداب جامعة القاهرة، ثمَّ عمل مُلحقًا ثقافيًّا بمدريد مِن سَنَةِ ١٩٦٩م إلى سنَةِ ١٩٧٤م، ثمَّ مترجمًا ومحرِّرًا بالأمانةِ العامَّةِ للأُمم المتَّحدةِ مِن سَنَةِ ١٩٧٨م حتَّى تَقاعدَ سَنةَ ٢٠٠١م، وظلَّ مقيمًا بنيويوركَ حتَّى الآن.

يُذكّرنا موقفُ البطُّوطِيّ بما حدَثَ لموَاطِنهِ ومُوَاطِني العلَّامَةِ محمَّد عيَّاد الطَّنطاويّ (١٨١٠-١٨٦١م)  الذي أهملَتْهُ أقلامُ بني وَطنِهِ لأنَّهُ، كما يذهبُ رجاء النَّقَّاش، ظلَّ في غُربتهِ في روسيا، ولم يشتبكْ مع قضايا وطنهِ، ولم ينشُرْ إبدَاعاتهِ وترجماتهِ في الصُّحُفِ والمجلَّاتِ المصريَّة والعربيَّةِ...!

ولكنَّ البطُّوطيَّ ظلَّ ينشرُ طوالَ هذه الفترةِ في المجلَّاتِ والجرائِدِ المصريَّةِ والعربيَّةِ منذُ ١٩٦١م حينَ كان ينشرُ في مجلَّة الآداب البيروتيَّة إلى أنْ نَشرَ في معظمِ أوعيةِ النَّشر العربيَّةِ، وَنَشرَ كتبَهُ ورِوَاياتهِ وترجماتهِ في مكتباتِ الآدابِ، والهيئة العامَّة للكتابِ، ودار العينِ، ودار الهلالِ، والمشروع القوميّ للتَّرجمةِ، ودار ميريت، ودار شرقيَّاتٍ، وغيرِها بمصرَ، كما نشرَ في المؤسَّسةِ العربيَّةِ للدراساتِ والنَّشرِ، ودار الآدابِ ببيروتَ، وسلسلة روائع المسرح العالميّ في الكويتِ وغيرِها...!

والسُّؤال الحائر: لِمَ لا نكرمُ أحياءَنا، وطُيورَنا المهاجرةَ، بل شُموسَنا المشعَّةَ، ونَسعَى إلى ابتكارِ جوائزَ للتَّرجمةِ تحملُ أسماءَ هؤلاءِ النُّبلاءِ العباقرةِ في مؤسساتنا وجامعاتنا؟!

ولِمَ لا نرَى في سجلِ رسائلِ جامعاتنا العربيَّة أُطروحاتٍ عن ماهر البطُّوطي النَّبيل السَّامي مُترجمًا وناقِدًا وسارِدًا ؟!

وكيفَ لا نَجدُ بحثًا معمَّقًا حولَ اتّجاههِ في التَّرجمة، ولا جهُودِهِ الكبيرةِ في دراسةِ" ألف ليلة وليلة" بدلًا منْ أنْ يَسرقَ الآخرونَ جهُودَهُ في صَفاقةٍ وعُنجهيَّةٍ وصَلَفٍ؟!

ولِمَ لا نرَى أبحاثًا علميَّةً رصينةً تتناولُ الصُّورولوجيا وتنافُذَ الثَّقافاتِ في سَردِهِ، ولا سيَّما أنَّه عالجَ قضيَّةَ الأنا والآخر من منظُور مُختلفٍ، فَرضتْهُ سياقاتٌ مختلفةٌ عن التي أشبعناها درسًا لدى توفيق الحكيم، ويحيى حقّي، والطَّيَّب صالح، وسُهيل إدريس، وغيرهم؟!

إنَّ أُمَّةً تَعْرِفُ مَوَاقعَ نُجومِها لا تَضِلُّ أبدًا:

بَقِيَ أنْ أقُولَ للَّذينَ لا يَعملُونَ ولا يَسُرُّهم أَنْ يَعملَ الآخرونَ: إنّني ،واللهِ، لم ألتقِ هذا النَّبيلَ السَّاميَ، ولم أحدِّثهُ مشافهةً، وإنمَّا وقفتُ بكلّ إجلَالٍ واحترامٍ مُقدِّرًا جهودهُ العلميَّةَ، وأَعمالَهُ الإبداعيَّةَ التي تُعادِلُ جُهُودَ مؤسَّسَاتٍ عِلميَّةٍ كاملةٍ؛ فكتابُهُ: "الجيل الرَّائع: وقائع حَياةٍ بين  الكُتُبِ والفنِّ" على سبيل المثالِ يَسعَى فيهِ جاهدًا إِلى صِناعَةِ ثقافةٍ عربيَّةٍ قويَّةٍ مائزةٍ، تَفهمُ الآخرَ، وتنافِسُهُ، كما أَنَّ جُهدَهُ في قاموسِ الأَدبِ الأمريكيّ جُهدٌ يُكافئُ عَمَلَ مُؤسَّساتٍ عَريقةٍ؛ وهو ما نجِدُ نَظِيرَهُ في كتابهِ: "الرّواية الأُمّ"، وفي كتبهِ الأخرى؛ على سبيل المثالِ : "رواةٌ وروائيُّونَ"، و"بينَ الفَنِّ والأدَبِ"،  وأفلامٌ أَهملتْهَا الأقلَامُ"، و"سيمفونيَّةٌ ثقافيَّةٌ"، وكلُّها مطبوعةٌ في مِصْر، وبعضُها متاحٌ في مؤسَّسةِ هِنداويّ على الشَّبكةِ العنكبوتيَّة، فضلًا عن سُرودهِ وترجماتهِ في أرشيفِ المجلَّات المصريَّة والعربيَّةِ، وهي متاحةٌ إلكترونيًّا.

 ومن ثمَّ؛ فلا يسعني إلا أنْ أقفَ إجلالًا واحترامًا لهذا النَّبيلِ السَّامِي شاكِرًا ومُقدِّرًا جُهُودَهُ داعيًا الله، تعالى، أن يمدَّ في عمرهِ، ويرَى ثمارَ غرسهِ في أبناءِ وطنهِ..!
-------------------------------------------------------------
بقلم: 
د. محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
* أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.

مقالات اخرى للكاتب

ماهر البطُّوطيّ النَّبيل السَّامِي | عن عملاق لا